يوسف المرعشلي
1098
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
كأنني أتصرف حسب هواي ، احترم القانون ولا تعد لمثل هذا . وانفضّ المجلس ، وتحلّق حول الشيخ ابن مراد الناقمون المتضايقون من هذا الإجراء يسألونه ماذا حدث ؟ فقال : إنه انتهك حرمة درسه باختراقه الحلقة ، وحكى لهم ما قال ، فقال أحدهم : إنه وقح ، وقال آخر : ملّاسي بوقلة هذا الذي عملهونا « 1 » . وفي هذه الفترة كان الناقمون على الشيخ ابن عاشور يكتبون المقالات الغثة الباردة في جريدة « الزهرة » ، ويرد عليهم أنصاره والمؤيدون له في جريدة « النهضة » ومنهم المترجم . والكاتبون في جريدة « الزهرة » لا يخلون من تمحل وضيق أفق ، وذات مرة ضاق المترجم ذرعا بهذه المقالات ، فكتب بجريدة « النهضة » مقالا مثيرا صارخا عنوانه « جنازة عجوز الصحف التونسية فاللهم مشامة وسحقا » ، وكان للمقال دوي في أوساط المؤيدين والناقمين « 2 » . ثم تخلى عن خطة قيم عام لنجاحه في مناظرة التدريس سنة 1934 ، « بعد أن كبده الاستعمار الفرنسي من جانب والحزازات النفسية من جانب آخر ثلاث خيبات في المناظرات ، مع مقدرته العلمية والأدبية ومهارته في صناعة التدريس التي كانت مثار الإعجاب في الأوساط الثقافية بتونس » وقفات ونبضات ص : 96 » . « ارتمى في خضم السياسة منذ نعومة أظفاره ، وبذل وسعه في سبيلها بخطابته وشعره ، والتحق بزعماء الحركة السياسية ، فكان ينطق بألسنتهم مسخّرا أدبه ووقته لإعلاء كلمتهم التي هي كلمة الدين والوطن . . ولقد لقي في اندفاعه السياسي ما لقي من سجن واضطهار وإبعاد عن حياته الثقافية » . « باختصار من المرجع السالف ص : 97 » . والمترجم طويل القامة ، قوي البنية ، يضع نظارتين سميكتين على عينيه لشدة ضعف بصره ، صوته أجش أصحل له رنة خاصة تعين على إبقاء الكلمات في الذاكرة . بقي عالقا بذاكرتي أنه في يوم عيد العروبة الثاني ( أفريل ) نيسان 1947 م ألقى قصيدة طالعها : يوم العروبة هذا عيدك الثاني * يفتر عن أمل بالشعر أغراني نشرتها الصحف التونسية وجريدة « البصائر » الجزائرية . وهو في دروسه يميل إلى التنكيت ، ويحسن تقليد الأصوات ، مع إشارات وحركات تضفي مسحة تمثيلية على الدرس ، وتطرد شبح السآمة ، مع اطلاع حتى على الطبوع الموسيقية ، وفصاحة لسان ، وحسن توجيه وإرشاد ، مما جعل درسه محببا لا يمل ، وكان بعض التلاميذ يتضايقون من تنكيته لكنهم سرعان ما يتراجعون لتبين سلامة القصد ، وفي ذات مرة اتهمه أحدهم بالتحيز والمحاباة فقال له : يا ولدي لا تتهمني بهذه التهمة لأني أوذيت في سبيل مقاومتها ، وأنا إلى الآن متمسك بمبدئي لا أتحول ولا ألين ، فقد طلب مني ذات مرة أن يجلس بجانبي تلميذان ( من عائلة ارستقراطية علمية بتونس ) لئلا يختلطا ببقية التلاميذ ، فقلت للطالب : يجلسان حيث ينتهي بهما المجلس لا أقيم للفوارق الطبقية وزنا ، فكان جزائي أن أوقفت عن التدريس ثلاثة أشهر بدون مرتب » . وكان له آراء أدبية سديدة ، وذوق رفيع ، واطلاع على الاتجاهات الأدبية في مختلف العصور ، ومعرفة واسعة بتراجم أعلام هذه الاتجاهات ، وهو شاعر مجيد ، على شعره مسحة من التشاؤم العلائي ، وفيه روح تقدمية وثورة جامحة على أوضاع مجتمع عصره ، ونشرت له جريدة « النهضة » في صفحتها الأدبية قطعا شعرية من ديوانه تحت عنوان ( الديوان المقبور ) ، فأنذرت من حكومة الحماية ألا تتمادى على هذا النشر ، وترجمت مجلة « الحياة » الفرنسية طائفة من قصائده « وأذكر أنه أكد لي في إحدى جلساتنا الأدبية أن هذه العناية المذكورة لم تكن إلا إغراء وتحريشا » . « وقفات ونبضات ص : 103 » . أصيب بمرض السكر في السنوات الأخيرة من حياته ، وسافر مرة إلى بلدة عين دراهم صحبة جماعة
--> ( 1 ) سمعت هذه الحكاية من الصديق الشيخ محمد عبيد ( من القلعة الكبرى ) . ( 2 ) سمعتها من الشيخ رمضان الطرابلسي الليبي الأصل من جبل ككلة ، وقد بلغني أنه بعد إحالته على التقاعد انتقل إلى ليبيا .